السيد محمد الصدر

186

منة المنان في الدفاع عن القرآن

جوابه : أولا : إن الأفعال في السورة كلها منسوبة إلى اللّه : فعل ويجعل وأرسل وجعلهم . إلّا ترميهم فإنه يعود إلى الأبابيل . لأن اللّه بهذا السبب جعلهم كعصف مأكول . وهذا هو هدف هذه السورة ، وهو بيان الانتقام الكبير بإرسال الأبابيل . ثانيا : إن القرآن قد نسب الكثير من معلولات الأسباب إلى نفسه . قال تعالى « 1 » : وَحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ أَلْواحٍ وَدُسُرٍ . وقال « 2 » : فَأَغْرَقْناهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعاً . وقال « 3 » : أَ فَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ أَ أَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ . وقال « 4 » : أَ أَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ . والفاعل الحقيقي في كل هذه الآيات هو اللّه سبحانه . والقرآن في هذه الآيات يعترف بالأسباب ويعترف بفعل اللّه تعالى . أي إن كلها نتيجة لفعل الأسباب ، وهي - في نفس الوقت - كلها نتيجة لفعل اللّه سبحانه . وهذا ما ثبتت صحته منطقيا وفلسفيا وعرفانيا . وليس الآن مجال شرحه . والنتيجة : هي أنه مرة نسب الفعل إلى السبب وهو الأبابيل . فقال : ترميهم . وأخرى نسبه إلى نفسه فقال : فجعلهم . وكان بالإمكان نظريا ، أن يجعل كلتا النسبتين إليه سبحانه أو كلتيهما إلى الأبابيل . إلّا أنه اختار ما هو ألطف بلاغيا وعرفانيا . وبتعبير آخر : إن الفعل فعل اللّه أصلا ، وهو الذي أوجد النتيجة إلّا أن الوسط أو الخريطة أو السبب هو ما أشير إليه في صدر السورة . وهو الأبابيل . قوله تعالى : تَرْمِيهِمْ .

--> ( 1 ) القمر / 13 . ( 2 ) الإسراء / 103 . ( 3 ) الواقعة / 63 - 64 . ( 4 ) الواقعة / 72 .